الجمعة، 2 يوليو 2021

مفهوم التمثلات الاجتماعية

 



يوسف زروق:

مفهوم التمثلات

  المدلول الاصطلاحي:

اصطلاحا يشير مفهوم التمثل إلى العملية التي يستوعب فيها الذهن المعطيات الخارجية أي معطيات الواقع بعد أن يحتك بها الفرد ويضفي عليها مستويات شخصيته المختلفة. يؤدي ذلك إلى أن تتجمع لدى الفرد صور عن تلك المعطيات بشكل حصيلة هذا الاحتكاك، فتكون بالتالي تمثلا لها.

التمثلات تتميز بنوع من الثبات النسبي ولا تتغير إلا بتغيير عناصر الواقع. وتغير إدراك الفرد لهذه العناصر.

التمثلات بهذا تكون عبارة عن مواقف توجه السلوك وتحدد عددا من الاستجابات التي يتعين أن يصدرها الفرد كرد مباشر أو غير مباشر اتجاه مثير داخلي أو خارجي. إن هذا ما يعطيها طابع المعنى والدلالة.

أولاً:  المدلول الاجتماعي:

يعتبر ديوركايم من الأوائل الذين استعملوا مفهوم التمثلات الاجتماعية حين تحدثه عن العصبية القبلية ورفضه لها. وظل ديوركايم " يعتبر الدين والمعتقدات واللغة والعلم والأسطورة تمثلات جمعية واجتماعية"[1] .

تشير دراسات متخصصة أن التمثلات منفصلة عن الحقائق العلمية، ولهذا نسمع مفهوم القطيعة الابستيمولوجية

ثانياً: المدلول السيكولوجي: 

   يهتم علم النفس المعرفي بإشكالية مركزية تتلخص في الإجابة عن التساؤلات التالية: كيف نتعلم؟ وكيف نستنبط أفعال الأشياء؟ وبالتالي كيف تتولد المعرفة؟

تقسم لفظة  Représentation إلى قسمين:

ـ التمثلات أو التصورات:  les représentations mentales

ـ التمثيلات :  les représentations externes

تتمفصل التمثلات إلى تمثلات ظرفية و أخرى مستديمة ،ولتتحول التمثلات الظرفية إلى تمثلات مستديمة ينبغي لها أن من عناصر ثلاثة:  الشمولية ــ التردد ــ الحاجة إلى المعرفة.

تعريف التمثل :

 عرف مفهوم التمثل في دراسات عديدة قبل دخوله حقل علم النفس وحقل الدراسات النفسية الاجتماعية ،لهذا نجد هذا المفهوم يتبلور حسب النظريات التي تعمل على توضيح معالمه والاستفادة مما قد يقدمه في فهم السلوك البشري والتنبؤ به.

وقد ظهر مصطلح "تمثل لأول مرة في كتاب (شوبنهاور) "الواقع كإرادة وتمثل" 1818 ،حيث التمثل نتاج خفي لنشاط الإرادة" رغم أن بعض الباحثين* يرون بأن هذا الطرح فيه شيء من المبالغة وذلك لوجود فلاسفة ومفكرين سبقوا شوبنهاور في دراسته. وبتجاوزنا المستوى الزمني لظهور مصطلح "التمثل" إلى المستوى اللغوي نجده في اللغة العربية من الأصل"(مثل) وتمثل الشيء أي تصور مثاله ويقال تمثل الشيء له ،وفي التنزيل العزيز(فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا)" . فالتمثل من هذه الوجهة مبني على الشبه من خلال بناء صورة مطابقة للموضوع الأصلي إضافة إلى التأكيد على أهمية الفعل أو السلوك الخارجي في خلق التمثل لأنه هو من يخلق فعل التمثل والفرد يكون فقط مجرد وعاء أو مستقبل للتمثل .وفي الموسوعة العالمية لاروس "فالتمثل حدد كإدراك أو صورة أو فكرة " ،فالتمثل لم يعط له معنى دقيق يمكننا من تلمس أهم خواصه خصوصا تلك التي اكتسبها هذا المفهوم مع الدراسات السوسيولوجية الأولى التي تناولته ،أو الدراسات النفسية الاجتماعية والنفسية المعرفية المعاصرة .ومن هنا نتساءل عن أهم المقاربات التي تناولت التمثلات ؟

1.   التمثلات الفردية والجمعية لدى دوركايم .

يكن القول بأنه مع الدراسات الدوركايمية تم إدخال التمثلات حقل الدراسة العلمية ،وتماشيا مع طرحه السوسيولوجي ركز "دوركايم" على التمثلات الجمعية بكونها الأكثر حضورا وبروزا داخل النسق المجتمعي ،فهي "إدراك منسجم ومشترك بين أعضاء الجماعة الواحدة ،وهم يتكلمون نفس اللغة التي تمثل أهم أداة للتواصل بينهم وتتمثل وظيفتها في تقوية الروابط والحفاظ عليها بينهم وتهيئهم للتفكير والفعل بكيفية موحدة ،وهي جماعية تكونها يستمر عبر الأجيال ويمارس على الأفراد ذوو السمات الاجتماعية المشتركة ضروبا من الضبط والالتزام "و "تظل التمثلات الاجتماعية في منأى عن أي تغيير نظرا لارتباطها بالوعي المجتمعي الذي يستمد صلابته ومتانته من صلابة المجتمع ورصانته".
إن هذا التحديد ارتبط فقط بالتمثلات الاجتماعية والتي تظل متعالية على الأفراد ،فهي جماعية تتكون عبر الأجيال ،وتهدف للحفاظ على المقومات الاجتماعية الخاصة بالمجتمع بكونها تقوي الروابط وتحافظ عليها وأيضا تمارس فعل الضبط والالتزام الذي من خلاله يتم ضمان عملية استمرار المجتمع ،نظرا لعدم قابليتها للتغير وذلك بكونها ليست مشتقة من وعي أفراد منعزلين بعضهم عن بعض وإنما هي صادرة عن العلاقات القائمة بينهم" ما يجعلها خارج إرادة الأفراد وتحكمهم فيها فلا يصبح بذلك مجال هذه التمثلات الاجتماعية مجال لإدراك الحقيقة كما في ذاتها ولكن كما يتمثلها الفرد وكما تشكلها المعايير الاجتماعية.                                                              

إن ما يمكن ملاحظته في الطرح الدوركايمي اقتصاره على التمثلات الاجتماعية والتي لا تتغير إلا بتغير الشروط التي أنتجتها ،حيث تتم عملية إعادة إنتاجها بطريقة آلية تكرارية موافقة لصيرورة التطور المجتمعي ،وليس للأفراد دخل في عملية تشكيلها أو بنائها لأن هذه التمثلات متعالية عنهم ،هذا الطرح الأحادي الجانب في مقاربة التمثلات دفع إلى تغيير طرق التفكير فيها خصوصا بعد تراجع الدراسات حول هذا المفهوم بموت دوركايم ،ليتم التفكير بمقاربة جديدة قامت بتوظيف الجانب النفسي في مقاربته  مقاربة علم النفس الاجتماعي للتمثلات .

اهتمت الدراسات النفسية الاجتماعية بمقاربة مفهوم التمثلات من خلال عملية تحليلها بطريقة ثنائية تعطي الأهمية للتأثيرات الاجتماعية في تكوين التمثلات لكن دون إغفال عملية إعادة البناء التي يقوم بها الأفراد خصوصا وأن الأطفال أنفسهم يقومون "بخلق تمثلات خاصة بهم للتمثلات الاجتماعية نفسها" التي يتلقونها من وسطهم الاجتماعي .

وقد تم الاهتمام أكثر بالتمثلات مع موسكوفيسي في دراساته ،خصوصا الدراسة التي تناول فيها تمثلات الأفراد الفرنسيين حول التحليل النفسي حيث اعتبر "التمثل نسق من القيم والمفاهيم والسلوكيات المرتبطة بسمات ومواضيع يحدد معالمها الوسط الاجتماعي .وهي لا تسمح فقط بتحقيق استقرار حياة الأفراد والجماعات ولكنها تشكل فوق كل هذا وذاك أداة لتوجيه إدراك المواقف وصياغة الأجوبة على التساؤلات المطروحة "وهي أيضا "وسائط بين الشخص والوضعية المتواجد فيها بحيث تمكنه –بطبيعة الحال- من إدراك واختبار المعلومات التي تثير فضوله والعمل على تنظيمها وإعطائها

معنى معين يخول له تحديد اتجاه نشاطه" .

إن المعنى الذي يعطيه موسكوفيسي للتمثل يرتكز على تحديد مكونات هذا الأخير والأدوار التي يقوم بها بالنسبة للأفراد في إطار عملية تفاعلهم المستمر في وسطهم الاجتماعي ،فالتمثل دائما يرتبط بموضوع ما ويقدم له تفسيرا معينا بحسب المعلومات والتأثيرات الاجتماعية حول هذا الموضوع وأيضا بحسب طريقة بناء وعمل الأفراد لتمثلهم ،وهذا يرجع إلى درجة تعلمهم وقدرتهم على الانتقاد ومدى مسايرتهم لقيمهم وأنساقهم الاجتماعية التي يتواجدون فيها ،وهذا ما يجعل التمثل يصبح في أساسه نسق من القيم والمفاهيم والسلوكيات حسب موسكوفيسي ،والتمثل يلعب دورا مهما في عملية توجيه سلوك الأفراد وإدراك المواقف التي يتواجدون فيها ،الشيء الذي يمكنهم من التوفر على قاعدة أساسية للفعل والتصرف وذلك لكون التمثل يلعب دور الوساطة بين الفرد وبين الموقف الذي يوجد فيه خلال لحظة الفعل بما أنه ذو أصل اجتماعي .

ويخضع التمثل في سيرورة تكونه لعمليتين أساسيتين وهما التو ضيع والترسيخ أو الانغراس .فبالنسبة للعملية الأولى تظل هي النواة المكونة للتمثل ،فمن خلالها تتم عملية بناء الموضوع في شكل جديد و "هذه العملية تستند بدورها على مراحل متعددة كالانتقاء وتكوين خطاطة شكلية ثم عملية التطبيع ،أي انتقاء المعلومات الخاصة بالتمثل حسب ما يقتضيه نظام المعايير الاجتماعية" التي يؤمن بها الفرد أو يخضع لها .فخلال عملية الانتقاء فإن الفرد يعمل على تبني الرموز والمعايير والقيم الملائمة لتمثلاته السابقة حول موضوع ما ،كما أن هذه الرموز والمعايير يجب بدورها أن تخضع أو على الأقل تحترم صيغ أو أشكال بناء الفرد لتمثلاته وإلا يقوم بالتخلي عن هذه القيم والمعايير التي كان من الممكن أن تقوم بتشكيل تمثلاته.فعملية الانتقاء هذه تهدف إلى خلق قاعدة توافق ما بين مكونات ومضامين تمثلات الأفراد وبين أشكال وصيغ بناءها من طرف الفرد .وفيما يتعلق بتكوين الخطاطة الشكلية فالفرد هنا يقوم بعملية "إنشاء مفاهيم النظرية على شكل فئات" ،فهو يعمل على تجزيء أو تشجير معطيات التمثل حسب خبراته لتستجيب للقواعد المعرفية والسلوكية أي لتمثلاته السابقة وتحترم معاييره الاجتماعية التي يشاركها مع المجتمع ،وهذا ما يمنح التمثلات سهولة استدعائها أثناء التواجد في وضعية معينة قد كون الفرد حولها تمثلا ،وتأتي مرحلة التطبيع التي يعمل الفرد فقط من خلالها على تأكيد مسايرة تمثلاته لمعايير المجتمع وقيمه .

والعملية الثانية في تكوين التمثلات هي الترسيخ الذي يمكن اعتباره مرادف لاستقرار التمثل على حالة مسايرة المعايير الاجتماعية ،حيث يصبح التمثل في هذه المرحلة حقيقة مرجعية يستند عليها الفرد في كل أفعاله وسلوكياته .

نجد في الأخير بأن التمثل هو خليط من الأنساق المختلفة والتي تضمن للفرد قاعدة للتصرف فالتمثل حسب جودليت يتضمن المفاهيم والأنساق الاجتماعية والمواقف والاتجاهات والوقائع المنمطة والتصورات والاتصالات والمعتقدات والأحكام المسبقة .فهو بذلك ملتقى لمختلف أنماط المعارف كما يمكنه أن يكون مانوني بيير "حقيقة واقعية أو خيالا وهميا أو أسطور.

إن أهم ما جاءت به الدراسات النفسية الاجتماعية في موضوع التمثلات كون هذا الأخير لا يبنى بطريقة ميكانيكية بل يخضع لعملية تجديد وإعادة بناء ،كما أكدت أيضا على الدور المهم للجانب الاجتماعي ،وفتحت الطريق لظهور الاهتمام بأبرز مكونات التمثل وهو الجانب المعرفي الذي عرف بداياته مع بياجه.

2.   مقاربة "جون بياجه" للتمثلات .

لقد ركز بياجه في أبحاثه على النمو المعرفي للطفل وظهور مختلف العمليات العقلية لديه والمؤثرات التي تحرك اشتغالها ."فعندما يطرح السؤال :ماذا ينمو لدى الطفل ؟ يجيب بياجه :إن البنية العقلية هي التي تنمو وأن غاية نموها هي العمليات المنطقية الرياضية الشكلية "فالطفل لدى بياجه ليس له دور مهم في عملية تشكيل قدراته الذهنية عبر تطويرها بالتمرين والاحتكاك والممارسة ولكن عليه انتظار نمو البنيات المعرفية الكفيلة وحدها بإيصاله مرحلة من مراحل التفكير المختلفة التي حددها بياجه اختصارا في المرحلة الحسية الحركية للتفكير والمرحلة الإجرائية ،ثم المرحلة الشكلية المنطقية .وقد اهتم بياجه بدراسة تطور اللغة والفكر وتطور المفاهيم لدى الطفل كما اهتم أيضا بالتمثل عند هذا الأخير .فما هي المقاربة التي يطرحها بياجه للتمثل ؟

لقد اعتبر بياجه التمثل شأنه شأن مختلف العمليات العقلية الأخرى لدى الطفل ،فالتمثل يتطور ويتحول كلما نما الطفل معرفيا وجسميا وانفعاليا .إن التمثل في هذه الحالة خاضع لبنية الطفل العقلية ،وليس لتأثيرات الأنساق المجتمعية كما لدى دوركايم مثلا، بل إن هذه التأثيرات "لم يعد لها في أعماله المتأخرة سوى وظيفة شكلية في أحسن الأحوال"،وحتى إذا ما أثرت في تكوين التمثل لدى الطفل فإن مضمونها الاجتماعي الذي يمكن أن تطبع به تمثل الطفل يبقى مكتسب ومتأخر وليس محدد رئيسي وأساسي لتمثله.

تطرح مقاربة بياجه جانبين أساسيين في التمثل فالجانب الأول يطرح التمثل كعملية والثاني يطرحه كآلية للاشتغال .إن التمثل هو "عملية استحضار المواضيع في غيابها واستكمال المعارف المدركة حين يضاعف إدراك حضورها بالاستناد إلى مواضيع أخرى غير مدركة الآن والتمثل الذي يعني في إحدى دلالاته الإدراك يدمج عنصرا جديدا هو نسق من الدلالات يقوم على مبدأ التمايز بين الدال والمدلول"،فالتمثل يمكن الفرد حسب البيئة المعرفية التي وصل إليها نموه من استحضار أشياء غائبة أمام حواس الفرد فسمة الموضوع المدرك في حالة التمثل هو الغياب ،ولتجاوز غياب الموضوع من طرف الفرد وبالتالي استحضاره عبر أنماط مختلفة يجد التمثل تعبيره فيها مثلا بالرموز والصور الذهنية ،وبما أن هذه الأخيرة "تستمد جانبا كبيرا في اشتغالها من خصائص البنيات التي تتقاسمها بكيفية فريدة مع الوقائع الإدراكية "فإن هذه الوقائع أيضا تساهم في بناء التمثل أو أنها جزء منه توفر أولا عملية التعرف على الموضوع الذي نود تمثله .

والجانب الآخر في التمثل عند بياجه كونه آلية للاشتغال المعرفي من خلال كونه " تعبير صادق عن طبيعة الذهنية المعرفية لدى الطفل وعن الخصوصية النمائية المعرفية التي يمر منها".فالتمثل في هذا الإطار يتخذ كآلية للتفكير من طرف الطفل ،وكلما تطورت البنيات المعرفية لديه كلما تنوعت أساليب استخدام التمثل وتحليل الوقائع من خلاله عن طريق ما يوفره من خطاطات كونها "تثير إلى المظهر الإجرائي للتفكير والذكاء من حيث تركيزه على الفعل".

إذا كان بياجه أقر بكون البنية العقلية هي التي تنمو لدى الطفل وأي تطور في عملية التفكير رهين بتطورها فإن البياجيين الجدد قدموا مقاربتهم في هذا الموضوع فكيس يرى "بأن ما ينمو في الواقع هي الاستراتيجيات المستخدمة لحل المشكلات ويرى البعض الآخر بأن المهارات المرتبطة بالبنية العقلية المتزايدة التعقيد هي التي تنمو (فيشر)" وإذا أكملنا مسار التحليل للجانب الثاني في مقاربة بياجه والذي صغناه في كون التمثل كآلية للاشتغال الذهني فبأي وجه يمكن الحديث عن التمثل لكن هذه المرة باعتباره مهارة مرتبطة بالبنية العقلية المتزايدة التعقيد وهي نفسها التي تنمو في نظر فيشر ؟

التمثل عند فيشر هو "الصياغة الإدراكية والذهنية للحقيقة التي تحول المواضيع الاجتماعية (الأشخاص، المضامين،والوضعيات) إلى قوالب رمزية (قيم ،معتقدات،إيديولوجيات) وتمنحها وضعا معرفيا يسمح بتقدير سمات الحياة العادية من خلال إعادة صياغة تصرفاتنا في مجال التفاعلات الاجتماعية" فالتمثل هنا يقوم بعملية تحويل وإعادة إنتاج الموضوع الاجتماعي في شكل رموز تكون مناسبة لكيفية وطرق الاشتغال الذهني ،فلا يتم التفكير في المواضيع الاجتماعية بكونها كذلك فقط ،ولكن باعتبارها رموزا تتخذ أشكالا مختلفة تناسب نسق الاشتغال الذهني المعرفي .

لقد تم طرح التمثل مع بياجه ومدرسته بشكل أكثر تطورا،فإضافة لكونه عملية إعادة بناء ،فإنه أيضا آلية للاشتغال الذهني يقوم بوظيفته مثل الإدراك والصور العقلية .

مفهوم الموقف:

رأي: نظر بالعين او بالعقل و الثاني هو المقصود هنا،و يتضمن كذلك معنى الترجيح او الاعتقاد و فيه كذلك معنى التأمل ،و من المفاهيم  التى تتداخل مع الرأي العام في بحثنا هذا هناك :

الموقف لغة : فموقفي من الشئ معناه النزوع او الميل نحو الشئ او الوضع .

- الموقف الاجتماعي اصطلاحا :يدل على مجموعة شاملة من الموضوعات سواء اكانت اشخاصا ام جماعات ام اشياء ثقافية يستجيب الفرد المتفاعل لها و يعطي رأيه فيها .

- تعريفات الموقف:    

 الموقف هو مفهوم أساسي في نظرية التفاعل الرمزي تم تطويره على يد عالم الاجتماع الأمريكي دابليو آي توماس. وهو عبارة عن نوع من أنواع الاتفاق الجماعي بين الأشخاص حول سمات الموقف، وتكوينه، وكيفية التفاعل والتأقلم بشكل مناسب معه، ويتطلب تحديد تعريف الموقف أن يوافق المشاركون على إطار التفاعل (السياق الاجتماعي والتوقعات التابعة له) وعلى الهويات الخاصة بها (الشخص الذي يتعاملون معه كشخص في الموقف المحدد[2].

 نصادف دائما أن نكون في مواقف تتطلب منا ردة فعل معينة، وردة الفعل هذه جرت العادة أن نسميها أيضا موقف، فالمواقف هي ردود أفعال متشابكة ومتداخلة بشكل شبكي سواء على مستوى الفرد أو على مستوى المجموعة. السؤال الذي أطرحه هنا هل يمكن التنبؤ بالمواقف الذي يتخذها الأفراد ضمن نسيج المواقف الذي يشكّلونه؟ وأهمية هذا السؤال تكمن في أنه سيعرفنا بالمؤشرات الأولى لمواقف الناس قبل اتخاذ أية قرارات أو طرح أية مشاريع أو منتجات أو خدمات أو فعاليات جديدة، وخصوصا تلك التي تتسم بالأهمية الاستراتيجية كقرارات الحكومات والشركات الكبرى. وللإجابة على هذ السؤال سنحتاج أن نتعرف على مجموعة من المعارف ذات الطابع الفلسفي، كمحاولة لصياغة تصور جديد لرسم شبكة مواقف يمكن أن تشكل أساسا لنظام ذكاء اصطناعي يمكن أن تستفيد منه الحكومات والمنظمات في قياس مواقف الناس بدلا من الطرق التقليدية التي تعاني من ضعف في المصداقية والموثوقية عندما تتعلق بجمهور كبير. قبل الدخول إلى المسرح سنحتاج لنعرف ما هو الموقف؟ وما علاقته بالإرادة؟ الموقف هو الذات والذات ما هي إلا مواقفها كما يقرر سارتر في كتابه "الوجود والعدم"، وهذا يقودنا إلى اعتبار الموقف في صورته الكاملة هو الشخصية. يقول مراد وهبه في موسوعته الفلسفية: "لا يمكن فصل مفهوم الموقف عن مفهوم الشخصية، فكل شخصية شاخصة في موقف أو يضمها موقف"[3]، والموقف في علم النفس وعلم الاجتماع. هو وضع الكائن الحي أو الشخص الإنساني من حيث تفاعله في وقت من الأوقات مع بيئته الاجتماعية والطبيعية والفكرية[4]. والكون في موقف هو نفسه الاستجابة التي نبديها، أي إن إدراك الموقف هو نفسه الاستجابة عليه، وهذه الاستجابة هي التي تحدد دلالة ومغزى الموقف، فاكتشاف الموقف مشروط بالمشاركة فيه، أي الدخول فيه كتجربة وكحدث في الزمان، ومنها العراك والألم والموت والحوادث والخطأ.  والموقف بهذا التعريف لا ينفصل عن الإرادة، إذ أن الموقف هو تجسيد للإرادة الحرة للإنسان، وعليه فنحتاج لنتوقف قليلا مع مفهوم الإرادة حيث سيساعدنا ذلك لاحقا في الإجابة على السؤال الأول. الإرادة كما يعرفها لالاند في موسوعة الفلسفة: "شكل الفعل الشخصي الذي يتضمن في صورته الكاملة امتثالا للفعل وقرارا وقتيا بالميل للفعل وتصورا للأسباب الداعية إلى انجاز الفعل أو عدم إنجازه والشعور بقيمة هذه الأسباب والتصميم على الفعل وفقا لما تشير إليه والإقناع النهائي"[5]. وهذا التعريف يتضمن الاعتقاد بوجود النفع واستيعاب ذلك كمرحلة أولى للفعل الإرادي والذي يتبعه قرار الفعل واختيار أنجع الوسائل للتنفيذ. إن الإرادة كما قلنا آنفا لا تنفصل عن الموقف، إذ لا يكتمل مشهد الموقف بدونها، بل هي الموقف نفسه كما لاحظنا في تعريف الموقف، وعليه فإن مسألة الحرية – وهي جوهر الإرادة – حاضرة بقوة في الموقف. يقول ديكارت وهو يعرف الإرادة: "أن نفعل بحيث لا نشك مطلقا في أن قوة خارجية ترغمنا على ذلك"[6]. فأي فعل لا تحضر فيه الحرية فإنه لا يصدر عن إرادة، وبالتالي لا يُعد موقفا للإنسان. ونلخص ما سبق بقولنا إن أي موقف للإنسان لا يكون موقفا حتى يكون نابعا من إرادته الحرة، ولا ينبع من إرادته حتى تكون هناك قناعة بأهميته ومبرراته. وهذا يقودنا إلى مكونين رئيسيين لأي موقف: مكون معرفي موضوعي ومكون الفعل الذاتي. والسؤال التالي الذي أطرحه: هل يمكن أن يكون الفعل بعكس ما تقتضيه المعرفة بموضوع الموقف؟ إن هذا السؤال قديم إذ كان مطروحا بصياغات مختلفة منذ عصر سقراط وتلميذه أفلاطون. وهو سؤال أخلاقي حيث تكون الإرادة هي الاستعداد للفعل على نحو معين إما بوجه عام أو في حالة بذاتها. فهل يفعل الإنسان الشر إراديا؟ أو بصياغة أخرى: أيهما أسمى الإرادة أم العقل؟ أي هل العقل هو القاضي على الإرادة أم إن الإرادة هي القاضية على العقل؟ إن أغلب الفلاسفة يقدمون الإرادة على العقل، وهذا ما عليه سقراط وأفلاطون والفلاسفة العرب ووالتر وإسكوت وديكارت والفلاسفة المثاليين عموما. وهذا يعني أن الإرادة من الممكن أن تعمل عكس العقل أو عكس المعرفة، فيمكن أن يفعل الإنسان الشر عن إرادته أو أن يتجاهل المعرفة أو لا يسعى لتحصيل المعرفة الأكمل لفعل الإرادة، وبالتالي يقع في الخطأ. وهذا يعني أننا أحرار بشكل كامل في مواقفنا في الحياة، ولكن نظرا أن الحرية لا تستلزم العمل وفق المعرفة المتحصلة، أو لأن المعرفة قد تكون متفاوتة وناقصة، فيحصل التفاوت في المواقف بين السلب والإيجاب. وعليه فإن مسألة التنبؤ بالمواقف واردة وممكنة نظريا لجهتين: أن المكون المعرفي الموضوعي للموقف هو في متناول اليد، وأن الفعل الإرادي المحض وإن كان ليس مما يمكن التنبؤ به على وجه الدقة؛ غير أنه خاضع لجملة من المعطيات سأسميها حاليا "معطيات الموقف"، وأن تحليل الموقف سيساعدنا على وضع مجموعة من المبادئ الأساسية لإعداد شبكة المواقف. هناك العديد من طرق تحليل المواقف موجودة ومعمول بها حاليا، ولكن أيا منها لا يستخدم في تحليل المواقف الشخصية العامة للناس، إذ تناسب المواقف ذات الطابع العملياتي كالتسويق وتحليل النظم والأعمال التجارية والتطوير الإداري، ومنها 5C analysis وSWOT analysis وPEST analysis. وحيث أننا هنا أمام مجموعة من المفاهيم المتشابكة، فنحن بحاجة إلى تحليل كائني التوجيه Object Oriented، يقوم على تحديد المكونات الكبرى لأي موقف شخصي في الحياة. ومن ثم الدخول في تحليل فلسفي لهذه المكونات بهدف تعريفها تعريفا دقيقا وتحديد خصائصها وسماتها الأساسية، وكيفية تفاعلها والدور الذي تلعبه في صناعة موقف الإنسان.  

 يمكن إحالة أية موقف لنا في الحياة إلى خمس مكونات أساسية وهي المعرفة والأخلاق والبيئة والانفعالات والخيال. وتضافر هذه المكونات والمزج بينها يوفر للعقل مادة القرار المتعلق بالموقف، وسيبقى عليه تقديم مسودة القرار التي ستمضيها الإرادة أو لا تمضيها. وهذه المكونات الخمسة لا تكون متساوية لصناعة المواقف المختلفة بين الناس، إذ يزيد تأثير بعضها من شخص لآخر ومن موقف لآخر. وبغض النظر عن نسبها المحتملة فإنها معا ستشكل عقدة واحدة داخل شبكة المواقف التي ستكون ثلاثية الأبعاد لتسمح بأكبر قدر من الروابط بين المواقف. ونظرا لديناميكية الإنسان وتطوره المستمر فإن مواقفه بطبيعة الحال ستكون متغيرة، وهذا ما سيضيف تحد آخر أضعه في الاعتبار أثناء تحليل المكونات الخمسة للموقف.

الهوامش:



1.      مجلة علوم التربية – العدد 7 ص: 28 -29.

3.      المعجم الفلسفي – مراد وهبة

4.       المعجم الفلسفي ج2 – جميل صليبا

5.       موسوعة الفلسفة – لالاند

6.      موسوعة الفلسفة – عبد الرحمن بدوي

الخدمة الاجتماعية للأيتام مقاربة سوسيولوجية

 

الخدمات الاجتماعية للأيتام

لقد اعتنى الإسلام بالطفل اليتيم عناية خاصة من خلال إحاطته بالعطف والرحمة والمحبة، فجعلت الرحمة والعناية من جملة القواعد التي يتركن عليها دين الله القويم.

وبما أن اليتيم طفل فهو يستحق أن يتمتع بكافة حقوق الطفل في الإسلام، وفي القوانين الوضعية، بالإضافة إلى وجود بعض الحقوق والعناية التي أحيط بها بشكل خاص، لقصره ولضعفه ولقلة حيلته.

مفهوم اليتيم ورعايته في القرآن والسنة.

[1]  تعريف اليتيم لغة واصطلاحا: اليتيم لغة: اليتم: الانفراد، عن يعقوب، واليتيم الفرد، واليتم : فقدان الأب، وقال ابن السكيت: اليتم في الناس من قبل الأب، في البهائم من قبل الأم، ولا يقال لمن فقد الأم من الناس يتيم، ولكن منقطع.

قال ابن بري: اليتيم الذي يموت أبوه، والعجي الذي تموت أمه، واللطيم الذي يموت أبواه، ويقال: يتم ويتم وأيتمه الله، وهو يتيم حتى يبلغ الحلم، الليث: اليتيم الذي مات أبوه فهو يتيم حتى يبلغ، فإن بلغ زال عنه اسم اليتم.

·         اليتيم اصطلاحا:

-         الينتيم هو الصغير الذي فقد أباه وهو دون سن البلوغ [2]

-         وعرفه ابن تيمية بأنه: "هو الصغير الذي فقد أباه"[3].

-         ويقول النسفي: "اليتيم هو من لا أب له ولم يبلغ الحلم"[4].

وتزول صفة اليتم عن الطفل اليتيم بالبلوغ، لما روى عن علي رضي الله عنه قال: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يتم بعد احتلام"

ويتضح من هذه التعريفات أن اليتم صفة تلزم الطفل الذي فقد أباه سواء كان ذكرا أو أنثى، وما يزال في سن الطفولة أي لم يبلغ الحلم بعد لأن الأب هو الذي يعيله وينفق عليه.

أنواع اليتم:

[5] سبق الحديث عن مفهوم اليتم لغة واصطلاحا، والذي هو من مات أبوه وما يزال دون سن البلوغ، وهذا ما اتفق عليه العلماء باليتيم حقيقة، ولكننا نجدهم ألحقوا به أنواعا أخرى، وحالات لأطفال سموا أيتاما حيث فقدوا آباءهم بغير الموت.

 اليتيم الحقيقي: وتطلق هذه الصفة على كل طفل فقد أباه، سواء كان ذكرا أو أنثى، وهو دون سن البلوغ.

 اليتيم الحكمي: يأخذ كل طفل صفة اليتيم إذا فقد معليه وحاميه وراعيه، ويمكن أن يقاس عليه الأطفال الذين لهم أباء أحياء ولكنهم بعيدون عنهم في الحقيقة، إما لانشغالهم وإما لإهمالهم وتركهم بمفردهم في هذه الحياة القاسية.ويمكن اعتبار هؤلاء الأطفال المتخلى عنهم في حكم الأيتام من الناحية الفعلية. ومن هنا جاءت تسمية اليتيم الحكمي؛ لأنهم بحاجة إلى الحنان والرعاية والمساعدة والنفقة كالأيتام الحقيقيين، ونذكر من أهمهم: اللقيط وهو  الطفل الذي يلقي به أحد والديه في الشارع[6] متنصلا من تحمل المسؤولية، بالإنفاق عليه وبكفالته (واللقيط كل صبي ضائع  لا كافل له). وكذلك أيضا أبناء الزنا وأبناء معاقون إعاقة يعجز الآباء عن تحمل نفقات رعايتهم.

حقوق اليتيم الشخصية:

شملت الشريعة الإسلامية الطفل، وخصوصا اليتيم، برعاية خاصة، وتتجلى تلك الرعاية في حفظ حقوقه وضمانها، سواء كان حيا أو قبل ولادته، حيث نجد الدين الإسلامي أعطى أولوية للأطفال من خلال الحقوق التالية:

-         حق الطفل اليتيم في اختيار الأم الصالحة والأب الصالح.

-         حقوق الطفل اليتيم بالولادة.

-         حق الطفل اليتيم في النسب.

-         الحق في التسمية.

-         حق اليتيم في الحياة.

-         حق الطفل اليتيم في الرضاعة:

-         حق اليتيم في الحضانة.

-         حق اليتيم في الكفالة.

حقوق اليتيم المدنية:

-         حسن معاملته والتحذير من إساءته أو الإساءة إليه

-         الحض على كفالة اليتيم

-         حق الولاية على الطفل اليتيم

-         الحق في امتلاك المال

-         النهي عن أكل مال اليتيم

-         حق اليتيم في العيش من بيت مال المسلمين

-         حق اليتيم في الغنيمة والفيء

-         حق اليتيم في النفقة

-         حق اليتيم في صدقة التطوع

-         حق اليتيم في التربية والتأديب

-         حق اليتيم في الرعاية الصحية والعلاج

-         حق اليتيم في التعليم: 

-         حق اليتيم في اللعب واللهو: [7]

حقوق الطفل اليتيم في مدونة الأسرة والمواثيق الدولية:

لقد قامت مدونة الأسرة بإدراج قوانين تهم حقوق الطفل، وسنذكر أهم هذه الحقوق التي تعنى بالطفل.

-         في قانون مدونة الأسرة.

"تسري أحكام هذه المدونة على جميع المغاربة، وتتضمن في موادها حقوقا للطفل اليتيم، وقد أجملت في المادة 54 من مدونة الاسرة  .    

للأطفال على أبويهم الحقوق التالية:

1- حماية حياتهم وصحتهم  منذ  الحمل إلى حين بلوغ سن الرشد.

2- العمل على تثبيت هويتهم  والحفاظ عليها خاصة، بالنسبة للاسم والجنسية والتسجيل في الحالة المدنية.

3- النسب والحضانة والنفقة طبقا لأحكام الكتاب الثالث من هذه المدونة.

4- إرضاع الأم لأولادها عند الاستطاعة.

5- اتخاذ كل التدابير الممكنة للنمو الطبيعي للأطفال بالحفاظ على سلامتهم الجسدية والنفسية والعناية بصحتهم.

6- التوجيه الديني، والتربية على السلوك القويم، وقيم النبل، المؤدية إلى الصدق، والحرص على وقايته. 

7- التعليم والتكوين الذي يؤهلهم  للحياة العملية وللعضوية النافعة[8].

- تحترم الدول الأطراف الحقوق الموضحة في الاتفاقيات، وتضمنها لكل طفل  يخضع  لولايتها دون أي نوع من أنواع التمييز، بغض النظر عن عنصر الطفل أو والديه  .

الهوامش: 



[1] - النهاية في  غريب الحديث ل :الجزري 5/291.

[5]- مجموع فتاوى ابن تيمية.

[7] حقوق الطفل اليتيم في مدونة الأسرة.

- حقوق الطفل في التشريع المغربي وفي الاتفاقيات الدولية: منشورات المعلومة القانونية والقضائية الطبعة الثانية سنة 2006 وزارة العدل.